قال عمر، وهو لاجئ من بغداد في التاسعة والستين من العمر، إنه سوف يموت "موتاً بطيئاً" إذا ما أوقِفت المساعدات. فقد اعتمد هو وأسرته على المساعدات الغذائية والطبية منذ فراره من إلى سورية في 2006."
- مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، مايو/أيار 2008.
ولا يزال العراق أحد أكثر الأماكن في العالم خطورة. وأزمة اللاجئين منه تزداد تفاقماً. وطبقاً لمفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، فإن ما يقدر بنحو 4.7 مليون عراقي قد نزحوا من ديارهم إلى داخل العراق وخارجه منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق، بينما تظل الأوضاع تثير اليأس بالنسبة للكثيرين.
ويقول تقرير جديد لمنظمة العفو الدولية بعنوان: أزمة اللاجئين العراقيين بين الكلام المعسول والواقع المر إن المجتمع الدولي ما زال يتقاعس عن مواجهة الأزمة بطريقة ذات معنى. فبلدان مثل الأردن وسورية يستضيفان معظم اللاجئين ولكنهما غير مهيئين على نحو مناسب لتلبية احتياجات جميع من يصِلون من العراقيين.
فلربما يصل عدد من تستضيفهم سورية وحدها إلى ما يربو على مليون لاجئ. وحتى 2007، لم يزد مجموع عدد من يستضيفهم العالم الصناعي، بحسب التقديرات، عن 1 بالمائة من إجمالي أعداد المهجَّرين العراقيين.
وقد دعت منظمة العفو الدولية، بمناسبة اليوم العالمي للاجئين، المجتمع الدولي، ولا سيما تلك الدول التي شاركت في الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق، إلى اتخاذ خطوات حقيقية للتخفيف من معاناة من أدى الغزو إلى تهجيرهم. وقالت المنظمة إنه يتعين على هذه الدول تحمل مسؤوليتها في مساعدة الدول المضيفة والمنظمات الإنسانية العاملة في الإقليم، على وجه السرعة، كيما تكون قادرة على دعم الأعداد الهائلة من اللاجئين.
ويقول فيليب لوثر، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، إن "العديد من اللاجئين يواجهون صعوبة كبيرة في الحفاظ على بقائهم. فهم ممنوعون من العمل وغير قادرين على تسديد أجور بيوتهم وشراء ما يكفي من الطعام لهم ولأسرهم وتغطية نفقات المعالجة الطبية. بينما يعيش من يحالفهم الحظ ويغادرون العراق على مدخراتهم، التي سرعان ما تنفد بالنسبة للعديدين".
إن أحوال العديد من الأسر قد ساءت إلى حد الإملاق، وهي تواجه خيارات مستحيلة ومخاطر مستجدّة من قبيل الاضطرار إلى تشغيل أطفالها أو البغاء أو مواجهة احتمال أن تضطر إلى العودة "الطوعية" إلى العراق بسبب تدهور الظروف.
أما الهيئات الإنسانية فعاجزة عن مواكبة المتطلبات المتنامية مع تنامي عدد اللاجئين، الذين يحتاجون إلى الأساسيات حتى يتمكنوا من البقاء. وتتضمن خطط مكتب المفوض السامي للاجئين توزيع الغذاء على نحو 300,000 شخص في سورية وحدها بحلول نهاية العام. بيد أن المكتب أعلن في الآونة الأخيرة أن عدم كفاية التمويل يعني أنه لن يكون قادراً، بحلول أغسطس/آب 2008، على "تغطية جميع الاحتياجات الصحية الأساية للعراقيين، ولن يتمكن العديد من العراقيين الذين يعانون من أمراض خطيرة ومزمنة من تلقي وجباتهم الشهرية من العلاج".
كما يمكن تقليص المساعدات الغذائية التي يستفيد منها حالياً 150,000 لاجئ في سورية والأردن، ما سيدفع العديد من العراقيين "إلى المزيد من الفاقة ويعزز احتمالات زيادة معدلات سوء التغذية وعمل الأطفال".
وتعتقد منظمة العفو الدولية أنه لا مناص من أن يزيد المجتمع الدولي من مساهماته المقدمة إلى هيئات إنسانية من قبيل مكتب المفوض السامي للاجئين، وكذلك إلى البلدان المضيفة للاجئين العراقيين. وفضلاً عن ذلك، يجب بذل جهد حقيقي ومستدام من أجل إعادة توطين اللاجئين المعرضين للمخاطر، ومن هؤلاء الحالات الطبية الخطيرة، في دول يتلقون فيها العلاج الكافي.
فقد أبلغت منال (وهذا ليس اسمها الحقيقي)، وهي لاجئة تعيش في دمشق، منظمة العفو الدولية في فبراير/شباط 2008 أن ثلاثة من أطفالها تتراوح أعمارهم بين ست سنوات و15 سنة يعملون حتى تتمكن الأسرة من العيش.
إذ يبيع طفلها البالغ من العمر ست سنوات العلكة في الشوارع لتحصيل ما قيمته دولاراً واحداً في اليوم؛ بينما تبيع ابنتها البالغة من العمر 10 سنوات العلكة ثلاثة أيام في الأسبوع؛ ويمسح ابنها الأكبر الأحذية مقابل ما يعادل دولارين أمريكيين في اليوم. وابنتها هي الوحيدة التي تذهب إلى المدرسة. وكانت الأسرة قد فرَّت إلى سورية في 2006 إثر إصابة منـزلها بأضرار كبيرة نتيجة التفجيرات.
وعلى الرغم من الادعاءات الشائعة في أوساط المجتمع الدولي بأن "التحسن" الذي طرأ على الأوضاع الأمنية في العراق قد أدى إلى عودة "طوعية" للاجئين، فإن واقع الحال يظهر أن معظم هؤلاء قد عادوا لأنهم قد أنفقوا كل ما يملكون ولم يعد معهم ما يقيم أودهم. فهم يعودون رغم ما سيواجهون من مخاطر حقيقية على أرواحهم.
وفضلاً عن تقاعس بعض الدول عن تقديم الدعم العملي والمالي الكافي، فإن هذه الدول تعمد كذلك إلى رفض طلبات اللجوء التي يتقدم بها عراقيون بمعدلات مفزعة. فيتزايد كل يوم عدد الدول الأوروبية التي تلجأ إلى ترحيل طالبي اللجوء الذين ترفض طلباتهم إلى العراق، بما في ذلك السويد، التي كانت ذات يوم مثالاً يحتذى لجاراتها الأوروبيات. وتستخدم بعض الدول وسائل غير مباشرة لإعادة الأشخاص إلى العراق، ومن ذلك، مثلاً، قطع المساعدات عمن ترفض طلبات لجوئهم من العراقيين، وإجبارهم بالتالي على العودة "طوعاً".
إن التقاعس عن مواجهة الأزمة يسهم في التدهور الحاد الذي تشهده حماية الحقوق الإنسانية للأشخاص الذين أجبروا على الفرار من ديارهم طلباً للسلامة. وثمة حاجة ماسة للدعم حتى تتمكن الدول المضيفة في الإقليم من تحمل مسؤولياتها هي نفسها في إفساح المجال أمام دخول جميع الفارين من العنف في العراق ومن انتهاكات حقوق الإنسان إلى أراضيها.